|
كثيرا ما كانوا يساومونه على بيارة
الليمون ، والمتاخمة لبئـر العنابر الذي ابتاعه الخواجة
موشــيه من مختار البلدة الحـاج رشـيد العنــبر بعـد ليلة
حمـراء، قضاهــا الأخــير في إحـدى ملاهي محمياتهم
المأفونة
ـ عجوز النحس ، لم يبق إلا أنت ، قالها
الضابط المســـــلح .
ـ النحس الذي لا يقتلك يا ابن الـ ....
ضغوط كبيرة ، أرتال من العسكر ، اغراءات
جمة ، عروض وعـروض ، ليرات صفراء نسوة سافرات ، ترهيب
وترغيب ، وجدي إزاء كل ذلك ... أخرس ... أطرش ... أعمى
لم يأخذوا منه لا حقا ولا باطل .
قناعتــه اللامحــدودة ، أمضى من إغراءات
أحفــــاد القـــردة وحفيف أشجار الليمون ، أقوى صوتا عنده
من رنين الليرات وبريقها المزيف.
تعلقه بشريكة الدرب ، عصمة لديه من انفلاش
شــــهوته ، وغنــــج النســوة الســـافرات ، أوضع من أن
تدك حصون عفته .
هم يدعــون بأنها قضيــة بيـــع
وشــــراء ، وجدي يصر على أنهـــا قضية موت أو حياة
المعادلة غير متكافئة ، والنتيجة لديه
مستحيلة الحل ، ما ذنبه إذا لم يتعلم الحساب يوما قط .
ولعـه بالبيارة .... أشــبه ما يكون بولـع
الرضيع لثدي أمه
استشهاد والدي ، شكّل فراغا كبيرا جعل من
جدي يحـوّل أنظاره نحوي ، ولسد الفجوة
يومها، ربت على كتفي ، حملني الأمانة ،
اســــمعني كلمات لم أع معناها ، ألبسـني كوفيـة أبي
وعقاله ليعلن بذلك انتهاء مرحلـة الطفـــولة ، لصبي لم
يتجاوز الســــابعة بعد .
ما اســــتوعبه عقلي حينئـــذ ، تلخص
بحرصـــه الشـــديد على مصاحبتي له إلى البيـــارة ،
ورعايـــة جدتي رحمها الله والتي ماتت حزنا وكمدا على فراق
ابنها .
لقد كان مقتل والدي عندها بمثابة القشة
التي قصمت ظهر البعير
في البداية لم أكن اعــرف المغـــزى
الحقيقي الذي كان يتوخـــاه جدي من إصراره على مرافقتي له
إلى بيارة الليمــــون ، رغـم صغر ســني وعدم إسناده لي أي
مهمة تذكر .
أحاسـيس غريبة كانت تنتابني ، وأنـا أحذو
خلف خطواته القوية الواثقة ، عبر ممرات وعرة وانثناءات
متعرجة ، تشبه إلى حد بعيد ، تجاعيد وجهـــه التي تروي
ســيرة كفاح لم يزدهـــا الزمن إلا عنادا .
في البيارة ، وتحت شجرة هرمة ، كان
يضع صرة الزاد جانبا يخلـع معطفه ، يجلسني عليه ، وكعاشـق
حالم بحــلاوة اللقيــا ، ينســل متأبطا فاسه ، مستهلاً
غزله للحبيبة بمواله المعهود :
( تربة وطنا ، ما نبيعا بالثمن ، دم
الأعادي نجبلوا بترابها ).
حماســته المحمومــة ، تذهـلني ، تشـدني
إليه ، تجعلني رجلا ، فأهب لمشاركته ، يقاطعني وبيديه
الخشنتين ، يقطف ليمونة يأمرني بأكلهـــا ، يوصيني بأن لا
أنسى طعمها يعـاود العمل براعته باستخدامه للفأس ،
تذكرني بالبهلوان ، حركته الرشيقة تخدعك بإعطائه السن
الصحيح ، حبات العرق وهي تنداح على جبهتــه أشبه
بالـــزمرد ، رائحتها تمتــزج بعبق الليمون تستبيح المكان
دونما استئذان ، فتنتشي القبرات وتصدح بالغناء حرارة
المشهد ، تتحدى الريح والإعصـــار .... تهزم الصقيع وتحرق
كل سماسرة الأرض ، أمثال الحاج رشيد ومواليه العابثين
وحده كان جدي ، كأشجار الليمون ....جذوره
في الأرض ورأسه في السماء يأبى الانجـراف ويقلب
أحجــــــار اللعبة على الدوام .
عندما قتل والدي ، أخذتهـم غواية النشـوة ،
توقعوا سـقوطه ، لكن جدي بــقي دائما، كطـائـر الفـينيـــق
، ينفـض جناحيــه وينبعث من الرماد
ذات مرة ونحن في طريقنا إلى البيت ، سألت
جدي :
ـ من هؤلاء ، وماذا يريدون ؟ .
وبمــــرارة العارف ، كان يحــدثني عن
كلابٍ مســـــعورة ، وعن أفـــاع وجراد ، يلتهـــم
الأخضـــر واليابس ، وبنباهتــه الحادة يدرك مدى الفزع
الذي يجتاحني ، فيعاود الحديث عن وطن وبيـــارة ، فأتحرر
من المكان ، لأسـبح في فضاءات رحبة
لم اصـحُ منها ، إلا على أزيز الرصاص ،
وعـــواء الذئـــــاب فاشــعر بالعطش والغثيان .
افتـح عيني لأرى جـدي تـعـلـو شـفتيـه ،
ابتسـامة عريضـــة .
.............
محمد أحمد طلب
|