الصفحة الرئيسية

 
 
 
 

أصول درعا اول صحيفة الكترونية تتناول قضايا وهموم المنطقة الجنوبية

للإعلان في الصحيفة الاتصال على الرقم 229510

 سكرات الموت

هل عالجت الدراما السورية

قضايا الشباب

عندما أبحث عن حب

قصائد سحر اللؤلؤ

 

 

 
 
 

قصة قصيرة  ـ  رسالة عشق -

 

 كثيرا ما كانوا يساومونه  على بيارة الليمون ، والمتاخمة لبئـر العنابر الذي ابتاعه الخواجة موشــيه من مختار البلدة الحـاج رشـيد العنــبر بعـد ليلة حمـراء، قضاهــا الأخــير في إحـدى ملاهي محمياتهم المأفونة

ـ عجوز النحس ، لم يبق إلا أنت ، قالها الضابط المســـــلح .

ـ النحس الذي لا يقتلك يا ابن الـ .... 

ضغوط كبيرة ، أرتال من العسكر ، اغراءات جمة ، عروض وعـروض ، ليرات صفراء  نسوة سافرات ، ترهيب وترغيب ، وجدي إزاء كل ذلك ... أخرس ... أطرش ... أعمى

لم يأخذوا منه لا حقا ولا باطل .

قناعتــه اللامحــدودة ، أمضى من إغراءات أحفــــاد القـــردة وحفيف أشجار الليمون ، أقوى صوتا عنده من رنين الليرات وبريقها المزيف.

 تعلقه بشريكة الدرب ، عصمة لديه من انفلاش شــــهوته ، وغنــــج النســوة الســـافرات ، أوضع من أن تدك حصون عفته .

    هم يدعــون بأنها قضيــة بيـــع وشــــراء ، وجدي يصر على أنهـــا قضية موت أو حياة

المعادلة غير متكافئة ، والنتيجة لديه مستحيلة الحل ، ما ذنبه إذا لم يتعلم الحساب يوما قط .

ولعـه بالبيارة .... أشــبه ما يكون بولـع الرضيع لثدي أمه

استشهاد والدي ، شكّل فراغا كبيرا جعل من جدي يحـوّل أنظاره نحوي ، ولسد الفجوة

يومها، ربت على كتفي ، حملني الأمانة ، اســــمعني كلمات لم أع معناها ، ألبسـني كوفيـة أبي وعقاله  ليعلن بذلك انتهاء مرحلـة الطفـــولة ، لصبي لم يتجاوز الســــابعة بعد .

ما اســــتوعبه عقلي حينئـــذ ، تلخص بحرصـــه الشـــديد على مصاحبتي له إلى البيـــارة ، ورعايـــة جدتي رحمها الله والتي ماتت حزنا وكمدا على فراق ابنها .

لقد كان مقتل والدي عندها بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير

     في البداية لم أكن اعــرف المغـــزى الحقيقي الذي كان يتوخـــاه جدي من إصراره على مرافقتي له إلى بيارة الليمــــون ، رغـم صغر ســني وعدم إسناده لي أي مهمة تذكر .

أحاسـيس غريبة كانت تنتابني ، وأنـا أحذو خلف خطواته القوية الواثقة ، عبر ممرات وعرة وانثناءات متعرجة ، تشبه إلى حد بعيد ، تجاعيد وجهـــه التي تروي ســيرة كفاح لم يزدهـــا     الزمن  إلا عنادا .

       في البيارة ، وتحت شجرة هرمة ، كان يضع صرة الزاد جانبا  يخلـع معطفه ، يجلسني عليه ، وكعاشـق حالم بحــلاوة اللقيــا ، ينســل متأبطا فاسه ، مستهلاً غزله للحبيبة بمواله المعهود :

( تربة وطنا ، ما نبيعا  بالثمن ، دم الأعادي نجبلوا بترابها ).

  حماســته المحمومــة ، تذهـلني ، تشـدني إليه ، تجعلني رجلا ، فأهب لمشاركته ، يقاطعني وبيديه الخشنتين ، يقطف ليمونة يأمرني بأكلهـــا ، يوصيني بأن لا أنسى طعمها        يعـاود العمل براعته باستخدامه للفأس ، تذكرني بالبهلوان ، حركته الرشيقة تخدعك بإعطائه السن الصحيح ، حبات العرق وهي تنداح على جبهتــه  أشبه بالـــزمرد ، رائحتها تمتــزج بعبق الليمون  تستبيح المكان دونما استئذان ، فتنتشي القبرات وتصدح بالغناء حرارة       المشهد ، تتحدى الريح والإعصـــار .... تهزم الصقيع وتحرق كل سماسرة الأرض ، أمثال الحاج رشيد ومواليه العابثين 

وحده كان جدي ، كأشجار الليمون ....جذوره في الأرض  ورأسه في السماء يأبى الانجـراف ويقلب أحجــــــار اللعبة على الدوام . 

عندما قتل والدي ، أخذتهـم غواية النشـوة ، توقعوا سـقوطه ، لكن جدي بــقي دائما، كطـائـر الفـينيـــق ، ينفـض جناحيــه  وينبعث من الرماد

ذات مرة ونحن في طريقنا إلى البيت ، سألت جدي :

ـ من هؤلاء ، وماذا يريدون ؟ .

وبمــــرارة العارف ، كان يحــدثني عن كلابٍ مســـــعورة ، وعن أفـــاع وجراد ، يلتهـــم الأخضـــر واليابس ، وبنباهتــه الحادة يدرك مدى الفزع الذي يجتاحني ، فيعاود الحديث عن وطن وبيـــارة ، فأتحرر من المكان ، لأسـبح  في  فضاءات رحبة

لم  اصـحُ منها ، إلا على أزيز الرصاص ، وعـــواء الذئـــــاب  فاشــعر بالعطش والغثيان .

افتـح عيني لأرى جـدي تـعـلـو شـفتيـه ، ابتسـامة عريضـــة .

.............

محمد أحمد طلب